صديق الحسيني القنوجي البخاري
250
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعلى كل حال فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة ، فهو مجاز إذ المعنى الحقيقي مختص باللّه عز وجل ، والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل تهويل أمر القتل وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرأة والجسارة ، وفي جانب الإحياء الترغيب في العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين في الهلكات ، ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبي عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان . سئل الحسن عن هذه الآية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل ، فقال : أي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على اللّه من دمائنا . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي بني إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ الدلالات الواضحات ، جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة للأخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاؤوا العباد بما شرعه اللّه لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل . وثم في قوله : ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي بَعْدَ ذلِكَ أي ما ذكر مما كتبه اللّه على بني إسرائيل من تحريم القتل فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ في القتل لا ينتهون عنه ، أو لمجاوزون الحق لا يبالون بعظمته . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 33 ] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 33 ) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قد اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنها نزلت في العرنيين وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق ويسعى في الأرض بالفساد قال ابن المنذر : قول مالك صحيح . قال أبو ثور محتجا لهذا القول إن قوله في هذه الآية : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [ المائدة : 34 ] يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم ، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام اه . وهكذا يدل على هذا قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الاسلام يهدم ما قبله » « 1 » ، أخرجه مسلم وغيره .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 192 .